الجـــوري
04-09-2008, 12:12 AM
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته ..
.
.
.
طعـــــام الشياطين ..
http://www.maktoobblog.com/userFiles/m/s/msk83/images/1197257088.jpg
قالوا : "ما كان في الإمكان أفضلَ مما كان"، فدفعوا إلى الشيطان كي يأكلها.
إنها جارتنا خيزران، وينادونها في حارتنا أم نبيل، هذا ولم تتزوّج برغم جميع من دخلوا بيتها ليلاً بقصد المتعة وما خرجوا. أمها –بحسب رواية جدي- هي زينب الطاهر، و أنجبت ابنتها خيزران بعد زواج تقليدي من غريب وفد إلى حارتنا، لكنّها امتهنت البغاء بعد أن مات عنها زوجها؛ و قيل لم يمت بل هرب خريفاً تحت ستر الليل لما هاله من علامات و إشارات عجيبة باتت تظهر وتختفي على عينيها و أطراف جسدها.
كثُرت الروايات التي حيكت حول وفاة أم جارتنا خيزران إلا أن أغربها وأكثرها اتفاقاً بين أبناء الحاره هي ما وردت على لسان ربيع الساري وكان إذاك صديقاً حميماً لخيزران حيث قال : دعتني إلى حفل في بيتها؛ فحسبت أذنها مالت لغزلي الطويل، وصدمت بحضور أناسٍ ما رأيتهم من قبل، بيضٍ و ملوّنين، فقدّمت لنا الشراب و رقصنا حّتى نزل العشاء يتوسّطه رأس أمّها، فأشارت إلينا بالأكل؛ فأكلنا مرغمين حتّى الشبع.
ربما لا يخفَ على أبناء حارتنا مدى حب خيزران لي، وأنا لم أبلغ الحُلم بعد، تشتري لي ما يشتريه الآباء لأبنائهم، ما كان يضع أبي في خوف شديد عليّ كلّما أخبروه أن خيزران دخلت و إياي إلى متجر ولم نخرج بعد، فيركض إلينا حتى يجدها تعتني بهندامي أو تهتمّ ألا يتّسخ وجهي بآثار البسوكيت و العصائر، فيمشي إلينا مبللاً بخوفين أحدهما على نفسه. و قد استشاط لمّا علم من ربيع ذاتَه أنه رآني داخلاً بيتها أتأبط طيّارة ورقيّة، فجمع ما قدِر على جمعه من أهل الحارة و ووقفوا ببابها ينادون باسمي، إلى أن خرجَت عليهم و في عينيها الدمع ترجوهم أن يبقوني عندها حتى المغرب وأنها ستتولّ إيصالي إلى يدِ أبي بنفسها، واستتبعت : "هو بسلامٍ في ظلّي حتى مطلع الفجر لولا أنكم تريدون له المكوث في ظلّكم فلا يصير إلا إلى ماصرتم إليه". ثم مَسَحَت الدّمع بظهر يمينها وهي تنظر إليّ على سطح بيتها أمدّ الطائرة بخيط فتكاد تصغر وتصغر إلى أن صارت نقطةً في السّماء.
هذا لا يمنع أنها طاغية الجمال و بها ما ليس بإناث حارتنا من بهاء و بريق أخّاذ، إنها كما يقول جدي : "كعروس بحر، مفترسة وبأنياب حادّة في النهار وخفيفة الظل بهيّة الطلعة عند الغروب، إدراكها واسع مثل حيلتها، عنيدة و برأس فولاذي، تأكل الناس باسم الحياة وبضع أفكارٍ بلا أصول".
كبرتُ أنا و كبرت جارتنا خيزران، فالتزمَت بيتها لاتخرج منه إلا لماماً وصرنا نرى سيّارات إيصال الخضار واللحوم تفد على بيتها تترى لاتكاد تمضي سيّارة إلا و تتبعها الأخرى.. و قيل أنها تأكل كل هذا الطعام وحدها؛ ممّا زرع المزيد من الخوف في النفوس. كان هذا قبل بدأنا سماع أصوات ضجيج تصدر من بيتها شبّهها أحدنا بزئير أسد جائع، تماماً قد أصاب، إنها أسد جائع، لا أزعم انها لبؤة بدعوى أن اللبؤات يخرجن إلى الصّيد –بعكس وحوش الدنيا- إذ يتولّ الذّكر أمر الفتك والإطعام.. أتراني أفرطتُّ في التفسير..؟!.
كل ما مضى لم يكن شيئاً إلى جانب فقداننا لبعضنا يوماً بعد يوم.. أذكر أن أول من فقدناهم على التوالي هم أصدقاء أبي : سالم و رجاء و فخري.. في الحقيقة لم يكونوا أصدقاءه تماماً. على أي حال قيل أنها تأكل عن جوع؛ فخشيت كل عائلة على أفرادها ألا تفتك بهم خيزران فيختفون.
بات الشارع الذي يقع فيه بيت جارتنا خيزران خالياً إلا منه، و جاءت الشرطة فسوّرت البيت بإشارات مروريّة و شاخصات تحاول منع الناس من الإقتراب.. وصار سماعنا لصوتِ زئيرها أمراً عاديّا إلا للضيوف الذين ما إن يسمع أحدم صوتها حتى يلوذ بالإختباء أو يصعق في أرضه، وربما من الطريف أو من المرعب في ذات الوقت فقدان الشرطة لبعض تلك الشواخص شيئاً فشيئاً حتّى ساد اعتقاد تام بأنها دبّت في الأشياء أكلاً حينما لم يتوفّر لديها ما تأكله منّا. أمّا أنا فما خفت ولا خاف أحد عليّ، أغدو و أروح في شارعها لا يصدّني الحذر ولا يمنعني مانع، ولا أنسَ يوم دخلت عليها فوجدتها ترعد وتزبد و تمسك حائطاً في بيتها بين يديها تأكل منه تارة و في أخرى تبصق دماً. سألتها عن حالها فلم تجب، أعدت السؤال بصيغة أخرى : ألا تنامين؟ لم أنتظر إجابة وجلست إلى حافّة درج بيتها الداخلي في الوقت الذي بدأت فيه قضم حديد مسنده بشراسة، أردفتُ : "أسنانك يا جارة.!!" فلم تلقِ لي بالاً حتى استقمتُ إلى الباب قاصداً الخروج فنادتني : خذ هذا.
فأخذته وكان كيساً به ما به من حوائج النساء و حزمة أوراق عليها أسماء لأناس ماسمعت بهم وعناوين لأماكن ما بلغتها، وعليها خواطر بلغة ركيكة حكي فيها عن الخير والشّر والبقاء والفناء. فجعلت الكيس بين قدميّ لأُصلح ما فسد من هندامها فقالت : لا يأكلني إلا جائع، وإن فعل فلا تطعمه أشيائي.
قصصت مقالها على أبويّ و أقراني فلمست لديهم الارتياح بظنهم أنها تهذي. أما أنا فلا أراها إلا عاقلة تلفظ آخر أيامها؛ إذ باحت لي ببعض سرّها، لكنّي لم اهتدِ إلى ما رمت إليه فنسيت الأمر حتّى وفد إلى حارتنا من يسأل عنها فقيل له : "في كرْبٍ و كربنا بها أعظمُ" قال : "إن شئتم أجعل بينكم وبينها ردماً" قيل : "بل كُلها ونجعل لك خرجاً".
بقلم / ماجد الصالح ..
ودي ..
.
.
.
طعـــــام الشياطين ..
http://www.maktoobblog.com/userFiles/m/s/msk83/images/1197257088.jpg
قالوا : "ما كان في الإمكان أفضلَ مما كان"، فدفعوا إلى الشيطان كي يأكلها.
إنها جارتنا خيزران، وينادونها في حارتنا أم نبيل، هذا ولم تتزوّج برغم جميع من دخلوا بيتها ليلاً بقصد المتعة وما خرجوا. أمها –بحسب رواية جدي- هي زينب الطاهر، و أنجبت ابنتها خيزران بعد زواج تقليدي من غريب وفد إلى حارتنا، لكنّها امتهنت البغاء بعد أن مات عنها زوجها؛ و قيل لم يمت بل هرب خريفاً تحت ستر الليل لما هاله من علامات و إشارات عجيبة باتت تظهر وتختفي على عينيها و أطراف جسدها.
كثُرت الروايات التي حيكت حول وفاة أم جارتنا خيزران إلا أن أغربها وأكثرها اتفاقاً بين أبناء الحاره هي ما وردت على لسان ربيع الساري وكان إذاك صديقاً حميماً لخيزران حيث قال : دعتني إلى حفل في بيتها؛ فحسبت أذنها مالت لغزلي الطويل، وصدمت بحضور أناسٍ ما رأيتهم من قبل، بيضٍ و ملوّنين، فقدّمت لنا الشراب و رقصنا حّتى نزل العشاء يتوسّطه رأس أمّها، فأشارت إلينا بالأكل؛ فأكلنا مرغمين حتّى الشبع.
ربما لا يخفَ على أبناء حارتنا مدى حب خيزران لي، وأنا لم أبلغ الحُلم بعد، تشتري لي ما يشتريه الآباء لأبنائهم، ما كان يضع أبي في خوف شديد عليّ كلّما أخبروه أن خيزران دخلت و إياي إلى متجر ولم نخرج بعد، فيركض إلينا حتى يجدها تعتني بهندامي أو تهتمّ ألا يتّسخ وجهي بآثار البسوكيت و العصائر، فيمشي إلينا مبللاً بخوفين أحدهما على نفسه. و قد استشاط لمّا علم من ربيع ذاتَه أنه رآني داخلاً بيتها أتأبط طيّارة ورقيّة، فجمع ما قدِر على جمعه من أهل الحارة و ووقفوا ببابها ينادون باسمي، إلى أن خرجَت عليهم و في عينيها الدمع ترجوهم أن يبقوني عندها حتى المغرب وأنها ستتولّ إيصالي إلى يدِ أبي بنفسها، واستتبعت : "هو بسلامٍ في ظلّي حتى مطلع الفجر لولا أنكم تريدون له المكوث في ظلّكم فلا يصير إلا إلى ماصرتم إليه". ثم مَسَحَت الدّمع بظهر يمينها وهي تنظر إليّ على سطح بيتها أمدّ الطائرة بخيط فتكاد تصغر وتصغر إلى أن صارت نقطةً في السّماء.
هذا لا يمنع أنها طاغية الجمال و بها ما ليس بإناث حارتنا من بهاء و بريق أخّاذ، إنها كما يقول جدي : "كعروس بحر، مفترسة وبأنياب حادّة في النهار وخفيفة الظل بهيّة الطلعة عند الغروب، إدراكها واسع مثل حيلتها، عنيدة و برأس فولاذي، تأكل الناس باسم الحياة وبضع أفكارٍ بلا أصول".
كبرتُ أنا و كبرت جارتنا خيزران، فالتزمَت بيتها لاتخرج منه إلا لماماً وصرنا نرى سيّارات إيصال الخضار واللحوم تفد على بيتها تترى لاتكاد تمضي سيّارة إلا و تتبعها الأخرى.. و قيل أنها تأكل كل هذا الطعام وحدها؛ ممّا زرع المزيد من الخوف في النفوس. كان هذا قبل بدأنا سماع أصوات ضجيج تصدر من بيتها شبّهها أحدنا بزئير أسد جائع، تماماً قد أصاب، إنها أسد جائع، لا أزعم انها لبؤة بدعوى أن اللبؤات يخرجن إلى الصّيد –بعكس وحوش الدنيا- إذ يتولّ الذّكر أمر الفتك والإطعام.. أتراني أفرطتُّ في التفسير..؟!.
كل ما مضى لم يكن شيئاً إلى جانب فقداننا لبعضنا يوماً بعد يوم.. أذكر أن أول من فقدناهم على التوالي هم أصدقاء أبي : سالم و رجاء و فخري.. في الحقيقة لم يكونوا أصدقاءه تماماً. على أي حال قيل أنها تأكل عن جوع؛ فخشيت كل عائلة على أفرادها ألا تفتك بهم خيزران فيختفون.
بات الشارع الذي يقع فيه بيت جارتنا خيزران خالياً إلا منه، و جاءت الشرطة فسوّرت البيت بإشارات مروريّة و شاخصات تحاول منع الناس من الإقتراب.. وصار سماعنا لصوتِ زئيرها أمراً عاديّا إلا للضيوف الذين ما إن يسمع أحدم صوتها حتى يلوذ بالإختباء أو يصعق في أرضه، وربما من الطريف أو من المرعب في ذات الوقت فقدان الشرطة لبعض تلك الشواخص شيئاً فشيئاً حتّى ساد اعتقاد تام بأنها دبّت في الأشياء أكلاً حينما لم يتوفّر لديها ما تأكله منّا. أمّا أنا فما خفت ولا خاف أحد عليّ، أغدو و أروح في شارعها لا يصدّني الحذر ولا يمنعني مانع، ولا أنسَ يوم دخلت عليها فوجدتها ترعد وتزبد و تمسك حائطاً في بيتها بين يديها تأكل منه تارة و في أخرى تبصق دماً. سألتها عن حالها فلم تجب، أعدت السؤال بصيغة أخرى : ألا تنامين؟ لم أنتظر إجابة وجلست إلى حافّة درج بيتها الداخلي في الوقت الذي بدأت فيه قضم حديد مسنده بشراسة، أردفتُ : "أسنانك يا جارة.!!" فلم تلقِ لي بالاً حتى استقمتُ إلى الباب قاصداً الخروج فنادتني : خذ هذا.
فأخذته وكان كيساً به ما به من حوائج النساء و حزمة أوراق عليها أسماء لأناس ماسمعت بهم وعناوين لأماكن ما بلغتها، وعليها خواطر بلغة ركيكة حكي فيها عن الخير والشّر والبقاء والفناء. فجعلت الكيس بين قدميّ لأُصلح ما فسد من هندامها فقالت : لا يأكلني إلا جائع، وإن فعل فلا تطعمه أشيائي.
قصصت مقالها على أبويّ و أقراني فلمست لديهم الارتياح بظنهم أنها تهذي. أما أنا فلا أراها إلا عاقلة تلفظ آخر أيامها؛ إذ باحت لي ببعض سرّها، لكنّي لم اهتدِ إلى ما رمت إليه فنسيت الأمر حتّى وفد إلى حارتنا من يسأل عنها فقيل له : "في كرْبٍ و كربنا بها أعظمُ" قال : "إن شئتم أجعل بينكم وبينها ردماً" قيل : "بل كُلها ونجعل لك خرجاً".
بقلم / ماجد الصالح ..
ودي ..